نسيان مدفوع العاطفة



ليتني أستطيع التعامل مع ذاكرتي كما أتعامل مع هاتفي، أشطب اسمك، أحذف رقمك، أنساك في جوالي. قبل الحذف أراجع سجلات المكالمات؛ لأرى كم مكالمة قربتنا، وكم دقيقة عبرنا أطرافها إلينا وكيف ذابت شفاهنا وامتزجت أصواتنا، صوتك الذي يخرج كفًا موشى بنقوش الحناء ورائحة الفل وسوار رقيق، أيخرج من الجوال أم يشق صدري ليمس جبيني ليستشعر حرارة الحمى تضطرم، ويمسح عليه بدعوات تعرفه طريقها إلى السماوات، ثم يصير حمامة بيضاء تطير إلى اللمبة ويختفي في شعاعها.


أعود إلى محادثاتنا لأرى ذاكرتنا التي يشهد عليها تليجرام، وعددٍ من البوسترات التي أحب حبك لها، ليست حروفًا من الضوء ترتسم على شاشة، إنها نبضنا وأنفاسنا التي تعبر الدوائر الكهربائية المعقدة بطريقة ذكية، تراوغ البعد وتقهر المسافة وتمد لسانها للرقباء.


كثيرة هي الأنفاس التي تجعل الهاتف يسبح في دفء، يتبسم فيخفت ضوءه قليلًا ثم تهزين أعماقه بقبلة إلكترونية مفاجأة، أخرج من المحادثة وتشتبك في داخلي كل جحافل التاريخ تحت رايتين، هل أحذف ذاكرتنا، أم أبقي الوجع مفتوحًا يبث الشوق في كل مكان؟ هذا سؤال يعلق نفسه خطافًا في حلقي، يصطاد لحظاتك في داخلي. وسط المعارك التي تسقط فيها بيادق اطمئناني دون انتصار أو غلبة سوى دقائق يلدغها عقرب الوقت الأسود، فتتدخل التكنولوجيا التي تتنازل عن حيادها لتبرم صلحًا ينهي كل الحروب أو هدنة مرتعشة، إنه خيار الأرشفة التي يتيحه لنا تليجرام، تبقى ذاكرتنا محفوظة وشاهدة على كل شيء، وتُدفن بين ركام القنوات والمجموعات التي لا أدرٍ لماذا تقبع هنا حتى اللحظة، كان حريًا بها أن تبتعد أو تبعدني، تتأرشف مع عدد من القنوات التي نسيتها.


لو فارق حديثنا عيني فلا يفارق إصرار أصابعي على العودة في كل ثانية، هل تحبك أصابعي أكثر مني؟ ربما تحن إلى أصابعك كي تلتف حولها كما تلتف الكروم على العرائش. تتنافس جوارحي عليك فيعود كلي إلى محادثاتنا، أنافس بعضي على الهزيمة أمام الشوق إليك، ألقي بروحي في محادثة لست قريبة منها، فيتأخر ردك فيثور العربي الذي بداخلي وفي لحظة كرامة حمقاء أقدم على الحذف، فأفقد كل شيء، أحتمي بالنسيان أو بالوهم، وأنتشي بكسب معركتي مع طواحين اللهفة، نصر مؤقت حتى تعودين فأصاب بفقد ذاكرة مؤقت أنسى الجيوش والحرب والصلح والأصابع ولا أرَ سواكِ!